الشيخ محمد رشيد رضا

17

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من مادة هذا الخلق قبل تكوين السماوات والأرض أو في أثنائه هو هذا الماء ، الذي أخبرنا عز وجل أنه جعله أصلا لخلق جميع الاحياء ، إذ قال ( 21 : 30 أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ؟ ) الرؤية هنا علمية والمعنى ألم يعلموا ما ينبغي أن يعلموه من أن السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلة لا فتق فيها ولا انفصال - وهي ما يسمى في عرف علماء الفلك بالسديم وبلغة القرآن بالدخان - ففتقناهما يفصل بعضها من بعض ، فكان منها ما هو سماء ومنها ما هو أرض ، وجعلنا من الماء في المقابلة لحياة الاحياء كل شيء حي ، أفلا يؤمنون والامر كذلك بأن الرب الفاعل لهذا هو الذي يعبد وحده ولا يشرك به شيء ، وأنه قادر على إعادة الخلق كبدئه ؟ فيفهم من هذا وذاك أن الذي كان تحت العرش فيتنزل اليه أمر التدبير والتكوين منه هو الماء ، الذي هو الأصل لجميع الاحياء ، لا يخيله بعض المفسرين الفنيين في الماء والعرش ، مما تأباه اللغة والعقل والشرع ، والعبارة ليست نصا في أن ذات العرش المخلوق كان على متن الماء كالسفن التي نراها راسية فيه الآن كما قيل ، فان فائدة الإخبار بمثل هذا إن كان واقعا في ذلك العهد هو دون فائدة ما ذكرنا من معنى العرش الذي بيناه ، وهو الذي يزيدنا معرفة بربنا وبحكمه في خلقه ، وهو الذي يتفق مع نظريات علم التكوين وعلم الحياة وعلم الهيئة الفلكية وما ثبت من التجارب فيها ، ويخالف أتم المخالفة ما كان معروفا عند أمم الحضارة من قواعد علم الفلك القديمة ونظرياته المسلمة . وبهذا يعد من عجائب القرآن ، التي تظهر في كل زمان بعد زمان ثم علل سبحانه وتعالى خلقه لما ذكر ببعض حكمه الخاصة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن فقال لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي ليجمل ذلك بلاء أي اختبارا وامتحانا لكم فيظهر أيكم أحسن إتقانا لما يعمله ، ونفعا له وللناس به ، وذلك أنه سخر لكم كل شيء وجعلكم مستعدين لابراز ما أودعه فيه من المنافع والفوائد المادية والمعنوية ، ومن حكم خالقه ورحمته بعباده فيه ، ومستعدين للافساد والضرر به ، ليجزى كل عامل بعمله وانما يتم ذلك في الآخرة ، وقد سبق لنا تفصيل هذا البلاء في تفسير ( 6 : 165 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ